ابن الفارض
170
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
اتصالي ، أي : عن مقام نسبة ذلك التخطّي إلى نفسي ، واستعار المعنى الحجاب لفظا الباب ؛ لأن الباب حجاب ، ثم قال : وعلى أثري من كان يؤثر قصده * كمثلي فليركب لمصدق عزمة ( الأثر ) : ما بقي من رسم الشيء ، و ( العزيمة ) : متابعة أصل الدليل ، ومجانبة الرخص ، والضمير في قصده عائد إلى الباب ، والكاف في ( كمثلي ) زائدة ، أي : من كان يختار قصد ذاك الباب ، والتجاوز عنه مثلي فليركب صدق عزيمته ويقطع منازل طريق الوصول بصدق الاجتهاد والسّعي على أثري وموطىء قدمي ، ثم أخبر عن مخاوف الطريق ، ومفارق غيرها [ 212 / ق ] قبل ولوج هذا الباب ومجاوزة الحجاب ، فقال : وكم لجّة قد خضّت قبل ولوجه * فقير الغنى ما بلّ منه بنغبة ( لجة ) البحر : وسطه فاض فيه ، وولج : دخل ما بل أي : ما رزق ، من قولهم : ما بلّك اللّه بابن ، أي : رزقك ، وأصله من بلّل الشيء ، أي : نديته ، وفي الحديث : « بروا أرحامكم بالسلام » « 1 » ، أي : صلوها به ، و ( النغبة ) : الجرعة ، والضمير في ولوجه يعود على الباب إلى لجة بتأويل البحر ، أي : وكم من لجج قد خضت فيها قبل أن أدخل باب الوصول ما رزق منها محتاج الغني بجرعة ، وأراد ب ( فقير الغنى ) من يحتاج إلى ملك أخروي ويستغني به من الأعمال الصالحة ، والأوصاف الجليلة ، لا دنيوي لعدم الاحتفال بها ، وإنما لم يرزق هذا الفقير من تلك اللّجج بجرعة لأنها طرق الفناء ، وهو يريد بقاء وجوده بخلاف الفقير إلى اللّه تعالى ، فإنه يريد فناء وجوده لافتقار إلى وجود الحق ولا يستأهل غيره ؛ لأنه ينغب نغبة من بحر الوصول ، ومن تلك اللّجج ، وهي منازل الإخلاص المشار إليها في ما بعد بقوله : لفظت . . . إلى آخره . إخلاص إخلاص ، أما الإخلاص فينقسم بحسب ما يظهر من العبد أربعة أقسام الأول : إخلاص في الأقوال بأن يخلص عبرة فعل الحقّ فيما يظهر على لسانه من الأقوال عن عبرة فعل نفسه ، وعبرة نظره إليه عن عبرة نظر غيره ، ودلّ عليه قوله : ( لفظت من الأقوال لفظي عبرة ) ، والوعظ داخل في الأقوال ، أي : ألغيت من كل ما أقول اعتبار لفظي ووعظي فلا أراه من نفسي ولا أراه أحد من الخلق ليراه فعلي .
--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ( 8 / 152 ) مجمع الزوائد .